القرطبي
205
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
التاسعة - والجمهور من الأمة على أن الجنب هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان . وروي عن بعض الصحابة ألا غسل إلا من إنزال ، لقوله عليه السلام : ( إنما الماء من الماء ) أخرجه مسلم . وفي البخاري عن أبي بن كعب أنه قال : يا رسول الله ، إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل ؟ قال : ( يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي ) . قال أبو عبد الله ( 1 ) : الغسل أحوط ، وذلك الآخر ( 2 ) إنما بيناه لاختلافهم . وأخرجه مسلم في صحيحه بمعناه ، وقال في آخره : قال أبو العلاء بن الشخير كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسخ حديثه بعضه بعضا كما ينسخ القرآن بعضه بعضا . قال أبو إسحاق : هذا منسوخ . وقال الترمذي : كان هذا الحكم في أول الاسلام ثم نسخ . قلت : على هذا جماعة العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ، وأن الغسل يجب بنفس التقاء الختانين . وقد كان فيه خلاف بين الصحابة ثم رجعوا فيه إلى رواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل ) . أخرجه مسلم . وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قعد بين شعبها الأربع ثم جهدها ( 3 ) فقد وجب عليه الغسل ) . زاد مسلم ( وإن لم ينزل ) . قال ابن القصار : وأجمع التابعون ومن بعدهم بعد خلاف من قبلهم على الاخذ بحديث ( إذا التقى الختانان ) وإذا صح الاجماع بعد الخلاف كان مسقطا للخلاف . قال القاضي عياض : لا نعلم أحدا قال به بعد خلاف الصحابة إلا ما حكي عن الأعمش ثم بعده داود الأصبهاني . وقد روي أن عمر رضي الله عنه حمل الناس على ترك الاخذ بحديث ( الماء من الماء ) لما اختلفوا . وتأوله ابن عباس على الاحتلام أي إنما يجب الاغتسال بالماء من إنزال الماء في الاحتلام . ومتى لم يكن إنزال وإن رأى أنه يجامع فلا غسل . وهذا ما لا خلاف فيه بين كافة العلماء .
--> ( 1 ) أبو عبد الله : كنية البخاري . ( 2 ) قوله : ( وذلك الاخر ) أي ذلك الوجه الاخر ، أو الحديث الاخر الدال على عدم الغسل . ( 3 ) جهدها : دفعها وحفزها . وقيل : الجهد من أسماء النكاح .